حيدر حب الله

50

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

نعم ، نحن نقرّ بأنّ بعض الرواة كانوا يكتبون مباشرةً ، لكن السؤال : هل كان هذا هو السائد لدى الجميع ، لا سيما عن الإمامين الباقر والصادق ومن قبلهما ؟ إنّ المعروف أنّ حركة الكتابة - بغض النظر عن الكتابة المباشرة - بدأت بالازدهار في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ، أي بعد وفاة الإمامين الصادقَين ، أما في عصرهما - لا سيما عصر الباقر ومن سبقه - فقد كانت قليلة جداً ، ولا توجد عندنا شواهد على شيوعها في أوساط أصحاب الأئمّة عليهم السلام . ولعلّ الذي يحسم هذه القضيّة هو واقع الكتب الحديثيّة الموجودة بين أيدي المسلمين اليوم ، فإنّنا لو رجعنا إليها لوجدنا الرواية الواحدة مرويّةً كثيراً باختلافات طفيفة في التعبير ، وهذا أمرٌ واجه العلماء في حديث ( لا ضرر ) ، وكذلك في حديث الثقلين ، حيث عُثر فيه على اختلافات في المصادر الشيعيّة بلغت 234 اختلافاً ، ومهما فرضنا أسباباً أخرى لحصول بعض الاختلاف فلا يمكن أن تكون جميعها راجعة إلى التصحيف أو خطأ النسّاخ أو السهو والنسيان أو كذب الرواة ، وإنما إلى النقل بالمعنى أيضاً « 1 » . وإذا اطّلعنا على التاريخ والسنّة الطبيعيّة بين الناس ، لترقّبنا أيضاً ظهور حالة النقل بالمعنى ، فكثير من الرواة لم يكتبوا ، لا سيما في القرن الهجري الأوّل وبعض الثاني ، ومع ذلك تمّ تناقل الأحاديث ، فلو كان النقل بالمعنى مرفوضاً ، وهو شائع ، وكما يقول النجمي : موجوداً عند أهل السنّة ، لكان ينبغي للأئمّة عليهم السلام أن يحذروا منه ، فإنّ خطره سيكون كبيراً لو كان محرّماً أو كان مضرّاً بالسنّة الشريفة ، فكيف لم نسمع تعليقاً - ولو عبر رواية واحدة ضعيفة - من أحد من الصحابة أو أهل البيت ، خاصّة في 150 سنة الهجريّة الأولى على السيرة القائمة ، بل وعلى سيرة أهل السنّة ، بل على العكس تماماً وجدنا تأييداً منهم لذلك ، فما هذه الصدفة التي جمعت كلّ هذه العناصر لولا أنّ الشريعة الإسلاميّة تجيز النقل بالمعنى حتى بما يشمل النقل عن النبيّ وأئمّة الدين ؟

--> ( 1 ) انظر في ذلك أيضاً : مهدي ، مهريزي ، حديث بجوهي 1 : 191 - 194 .